الشيخ محمد الصادقي

307

الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه

ما كانُوا يَعْمَلُونَ » ( 147 ) . أولئك « حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ » الصالحة عن آثارها الأخروية مهما كانوا موحدين فضلا عن المشركين والملحدين حيث الحبط في مقام العقوبة ليس إلّا في حقل الحسنات ، فتتمحض الأعمال في السيئات ، وأصل الحبط من قولهم : حبطت الناقة إذا رعت نباتا سامّا فانتفخ بطنها ثم نفقت ، فهؤلاء الأنكاد يتنفخون ويتنفجون بمظاهر من زخرفات الحياة ، فيحسبهم الجاهل على شيء من القوة والمكانة ، ثم ينفقون كما تنفق الناقة التي رعت ذلك النبات السامّ ، فالتكذيب بآيات اللّه يعم مثلث التخلف في حقل الإلحاد 1 تكذيبا باللّه ، 2 والإشراك تكذيبا بتوحيد اللّه ، 3 والتوحيد تكذيبا بشرعة اللّه المحكّمة . ثم « وَلِقاءِ الْآخِرَةِ » تكذيبا لأصل لقاءها ، أم حق لقاءها إلى باطله كمن يخيّل إليهم أن اللّه لا يحاسب عباده يوم لقاءها أم يعفو عنهم جميعا ، أماذا من الضلال تصورا خاطئا عن لقاء الآخرة . « هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا ما كانُوا يَعْمَلُونَ » فإن حبط أعمالهم في الأخرى هو نفسه حبطها في الأولى ، لخبطها بفراغها عن الإيمان الصالح ، إذا فالجزاء هو نفس العمل دون مغايرة بينهما أو زيادة ، وهذه الضابطة برهان لا مردّ له على أن لا جزاء بمجرد النية في حقل العقوبة ، مهما كان الجزاء بصالح النية ، فإنه قضية فضله تعالى ، وذاك قضية عدله ، فلا جزاء في قسطاس العدل لمجرد النية الطالحة إلّا مجرد النية الطالحة دون أية عملية عقوبية ، فالقصد من العمل هو الحالة الفعلية من قالة أو عقيدة أو عملية ، وليست النية بالنسبة لها إلّا حالة شأنية ، إذا فقضية العدل هي فعلية بفعلية وشأنية بشانية ، اللهم إلا في نية الخير فإن فعلية الثواب لها هي من قضايا فضله تعالى . أجل ، قد يصح القول إن نية السوء محرمة فيما إذا أدت إلى فعل السوء لأنها - إذا - من الإثم - وهو كل ما يبطئ عن الثواب - ، ولكن الجزاء هنا يختص بواقع السوء .